فخر الدين الرازي

196

تفسير الرازي

أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضاً بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار . المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنساناً لطلب القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة . فإن قيل : كيف سماهم ضيفاً مع امتناعهم عن الأكل ؟ قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك . وقيل أيضاً : إن من يدخل دار الإنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفاً وإن لم يأكل ، وقوله تعالى : * ( إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً ) * أي نسلم عليك سلاماً أو سلمت سلاماً ، فقال إبراهيم : * ( إنا منكم وجلون ) * أي خائفون ، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل . وقيل : لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ الحسن : * ( لا توجل ) * بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه . وقرئ لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود . وقوله : * ( قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ) * فيه أبحاث : البحث الأول : قرأ حمزة : * ( إنا نبشرك ) * بفتح النون ، وتخفيف الباء ، والباقون : * ( نبشرك ) * بالتشديد . البحث الثاني : قوله : * ( إن نبشرك ) * استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ، والمعنى : أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل . البحث الثالث : قوله : * ( إنا نبشرك بغلام عليم ) * بشروه بأمرين : أحدهما : أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليماً ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل : بشروه بنبوته بعده . وقيل : بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون ، فمعنى : * ( على ) * ههنا للحال أي حالة الكبر ، وقوله : * ( فيم تبشرون ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال : بأي أعجوبة تبشروني ؟ فإن قيل : في الآية إشكالان : الأول : أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر . الثاني : كيف قال : * ( فيم تبشرون ) * مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما فائدة هذا الاستفهام . قال القاضي : أحسن ما قيل في الجواب عن